محمد داوود قيصري رومي
390
شرح فصوص الحكم
عليه ، لإمكاننا وغناه عن مثل ما افتقرنا إليه ) ( 139 ) وإنما حصر الفارق في افتقارنا وغناه ، لأن غيرهما أيضا عائد إليهما ، سواء كان وجوديا أو عدميا . ( فبهذا صح له الأزل والقدم ( 140 ) الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم ، فلا تنسب إليه الأولية مع كونه الأول ) أي ، بسبب هذا الغناء صح له أن يكون أزليا وأبديا وقديما في ذاته وصفاته . وإنما وصف ( الأزل ) و ( القدم ) بقوله : ( انتفت عنه الأولية ) بمعنى ( افتتاح الوجود عن العدم ) لأن الأعيان والأرواح أيضا أزلية ، لكن أزليتها وقدمها زمانية لا ذاتية ، وأزلية الحق ذاتية ، لغنائه في وجوده عن غيره . فانتفت ( الأولية ) منه بمعنى افتتاح الوجود عن عدم ، فلا تنسب إليه الأولية بهذا المعنى ، كما تنسب به إلى الأرواح والأعيان . كما قال ، صلى الله عليه وسلم : ( أول ما خلق الله العقل ) . أي ، أول ما افتتح من العدم إلى الوجود العقل ، لكونه مسبوقا بالعدم الذاتي ، وإن كان غير مسبوق بالعدم الزماني . بل ينسب ( الأولية ) إليه بمعنى آخر وهو كونه ( مبدأ ) كل شئ ، كما أن آخريته عبارة عن كونه منتهى كل شئ ومرجعه ، أو كونه في مقام أحديته بحيث لا شئ معه ، كما قال ، عليه السلام : ( كان الله ولم يكن معه شئ ) . وهذا المعنى يجتمع مع الآخرية . لذلك قال الجنيد ، قدس الله روحه ، عند سماعه لهذا الحديث : ( والآن كما كان ) . أي ، لم يتغير هذا المقام عن حاله ، وإن كان في المرتبة الواحدية معه أسماء وصفات وأعيان ثابتة للأكوان . ويظهر هذا المقام للعارف عند التجلي الذاتي له ، لتقوم قيامته الكبرى فيفنى ويفنى الخلق عند نظره ، ثم يبقى ويشاهد ربه بربه . رزقنا الله وإياكم .
--> ( 139 ) - قوله : ( وليس إلا افتقارنا إليه . . . ) . وهذه الكثرة الافتقارية ليست مثل الكثرات الأخرى ، بل هي تؤكد الوحدة وترفع البينونة ، ولهذا قال ، صلى الله عليه وآله : ( الفقر فخري ) . فالعالم إذا كان في حجاب نفسه ، يكون مفترقا وممتازا بالافتراق البينوني ، وإذا خرج عن حجاب نفسه وتعلق بعز قدسه وافتقر وفنا عن ذاته ، رفع الغيرية ، و : ( إذا تم الفقر فهو الله ) . أي الهوية له لا لغيره . ( الإمام الخميني مد ظله ) ( 140 ) - القدم الذاتي . ( ج )